ريدان 19: من الأدب اليماني القديم
قصيدة الفخر الحِمْيَرية
وقف القَيْل سَعد يُهَسْكِر ذي هَصْبح متأملاً..
عن يمينه سدود أقامها ومآجل بناها وجرّ إليها الغُيُول وسواق منها المسقوف ومنها المكشوف يجري فيها الماء رقراقاً، وعن يساره وقدامه يمتد وادي شِرْجان الطويل في منظر يسُرَ الناظرين، مياه متدفقة تسقي جِرَباً انتظمت كَحَبّات العقيق واحدةً فوق الأُخرى في وادٍ تكسوه خضرةٌ يانعة ومياه تنبت حَبّاً وعِنباً وتحفهما أشجار النخيل.
كان المزارعون والعمال والمُلاك يرددون مَغَارد الصّرَاب فرحين راضين غاية الرضا، وحين تناهت أصواتهم إلى مسامع سَعْدٍ ومن معه سُرّ سَعْدٌ وشعر بغبطة وفخر- وحق له أن يفخر- فقد أمّن سَعْدٌ مياهاً تسقي الوادي طيلة أيام السنة، فكان قَيْلاً حقاً كما في المثل الحِمْيَري القديم الذي ذكره أبو محمد الهمداني: "دَوْ هَلْ قَيْلَن ذِي دَوْ جَرّ غَيْلَن" ومعناه لا يكون القَيْل (قَيْلاً) مَنْ لم يجرّ الغَيْل.
وعندئذ فاضت قريحته فقال قصيدةً تصف جميل فِعْله، وأمر بِزَبْرها على صخرة لتكون قريبة من الجازعين بين جانبي الوادي، ولتكون لمن بعده وصية وأسوة.
ومضى سَعْدٌ وجاء بعده أقيال من بني هصبح وغيرهم فتأسوا بسعد وبنوا المنشآت المائية في واديهم شِرْجان.
ثم.. طوى الزمان سَعْداً ومَن بعد سَعْد وتبدلت الأحوال فسقطت دولة اليمن الواحدة وتفرق اليمانون "أيدي سبأ" فخربت الأسداد وجفت الغُيُول ويبست المآجل، وما عادت الزراعة في الوادي ألا بَعْلية لا دائمة.
وصار حال وديان اليمن وقيعانها كحال وادي شِرْجان.
وجهل الناس قصيدة سعد وفعله!
ومنذ بضعة عقود وقعت أعينُ الباحثين الأجانب على قصيدة سَعْد، فحاولوا قراءتها وتفاوتوا في قدرتهم على القراءة، ثم جاء بعدهم عالِمٌ من علماء اليمن هو إبراهيم بن محمد الصلوي المعافري الذي قرأها قراءة سليمة، فقد أكمل ناقصها وأوضح ملتبسها وفك غامضها، ثم دفعها للشاعر والمؤرخ الكبير مطهر بن علي الإرياني وما هي إلا أيام حتى صاغها الإرياني شعراً بالفصحى بأسلوبه البديع.
وها نحن وإن طال بِنا العهدُ بالقَيْل سَعْد وقومه قد قرأنا قصيدته وأحيينا ذكره بعد ألفٍ وسبع مية سنة فعرّفْنا أهل اليمن قاطبةً بجميل فعله. وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان!
ثم ليس من وكْدنا قراءة نصوص من التاريخ ثم نخلفها وراءنا ظهرياً، فما أحوجنا- وقد تناوشنا الأعداء من كل جانب على اختلاف أعراقهم وعقائدهم وغاياتهم، فقتلوا أهلنا وحاصروا بلادنا فمسنا الضرّ- ما أحوجنا أن نعود إلى استصلاح أرضنا بالزراعة وبتشييد الأسداد وإقامة المآخذ وبناء المآجل وحفر الكِرْوَف لكيلا نبقى نمد أياديَنا لأعدائنا خاصة بعد أن عرفنا نعمة الإستقلال والحرية، فالدعوة لأقيال اليمن اليوم ولدولة الحق الناهضة أن يجعلوا من القصيدة والدراسة وأوراق تاريخنا القديم تاريخاً محفزاً لا محبطاً ولا مثبطاً.
جزى الله العلامة إبراهيم الصلوي خير الجزاء لدراسته هذه، فلمثل هذه الدراسات نحتاج ولمثل هذا فليعمل العاملون.
أما عن تاريخ الشعر العربي كما قرره مؤرخو الأدب على ضوء هذه القصيدة وما عرف من قصائد بالخط الـمُسْند فهذا حديث آخر...!
- دَلَاج
لا غنى للباحث عن كتب التاريخ اليماني المطبوعة والمخطوطة ففي صفحاتها سيجد ما يفيده حتى وهو يتناول نقوش المسند التي تؤرخ لما قبل الإسلام، وقبل أيام وقع في يدي كتيب لطيف للسيد العلامة يحيى بن بدر الدين الحوثي سماه (ثمار الحنظل) وفيه اختار صوراً من المظالم التي ألحقها الأتراك بأهل اليمن عند وجودهم في اليمن في تهامة وخولان وأرحب والحدا.
وقد نقل المؤلف من كتاب مخطوط بعنوان "الدّرّ المنظّم فيما كان بين أهل اليمن والعجمْ" للقاضي حسين بن أحمد العرشي صفحات مما وقع بين الترك وبعض خولان يوم قصد الترك النقيب حسين بن ناجي الصوفي في بلاده حصن الظبيتين من اليمانية العليا في خولان، وذكر المؤرخ العرشي إن الترك تمركزوا في محلة دلاج بالقرب من حصن الظبيتين والحَضَن.
ودَلَاج هذه أو (د ل ج) كما ترسمها نقوش المسند مكان مذكور في بضعة نقوش مسندية دارت فيها وفي أنحائها معارك بين السبئيين والحميريين، وقد إجتهد الباحثون في تحديد مكان (دلاج) واختلفت أراؤهم فيه.
ولما كان العرشي قد ذكر أن محلة (دلاج) بقرب الحَضَن، فقد سألت النقيب محمد بن صالح الصوفي من أحفاد الصوفي المذكور عما إذا كان يعرف موضعاً باسم دلاج فسأل بعضاً من أفراد قبيلته فكان جوابهم أن موضع دلاج هو الاسم القديم لما يعرف اليوم باسم " الربوع" (وهو أيضاً ما تنبه له المؤرخ علي الناشري) بين الحِصْن ونَعِض، وبالنظر إلى الخريطة يظهر لنا ان حصن الظبيتين والحضن تقعان بالقرب من الربوع أو دلاج، ودلاج أيضاً تقع بالقرب من الحضن ونعض.
وقرب دلاج من نعض يفسر لنا تلك الحملات المتتابعة التي شنها الملك السبئي إيل شرح يحضب وأخوه يأزل بين على الملك الريداني إيل شرح يُهَحْمِد وخلفه كرب إيل أيفع وجيش الحميريين، الذين دنوا من السبئيين دنوا خطيراً فما كان من إيل شرح يحضب إلا أن جرد الحملات تلو الحملات على الحميريين وقاد بعضها بنفسه.
وكنت قد سلكت الطريقَ الممتد من صنعاء إلى نعض ثم يكلأ فوجدت أنها أيسر مَسْلَكاً لمن يقصد صنعاء من تلك التي تمر عبر نقيل يَسْلِح وهذا يفسر أيضاً تعدد تلك الحملات على جيش الحميريين وتمركز السبئيين في نعض.
إن في ذلك دلالة على أن الحميريين قد هددوا مقر الملك إيل شرح يحضب وأخيه وهو يفسر أيضاً تعدد معارك أيل شرح مع الحميريين وقيادته للمعارك معهم بنفسه.
(ويقترن ذكر دلاج في النقوش السبئية بموضعين سمت أحدهما حقل حرمة (ح ر م ت م) والآخر وادي أظور (أ ظ و ر) فيلزم السؤال عنهما).
ملحوظة: كنت قد قرأت الاسم (د ل ج) كما رسمته النقوش بوزن فَعَال بفتح الفاء والعين (دَلَاج) قبل أن أرى رسمها كما أورده مؤلف "الدر المنظم" لأن كثيراً من أسماء الأماكن في اليمن يأتي على وزن (فَعَال) مثل ظَفَار، حَرَاز، سَحَار...، وهذا الوزن في أسماء الأماكن قليل في الفصحى كما ذكره بعض المعجميين وكنت قد أشرت إلى ذلك إشارة في كتابي "اليمن واليمانون في شمس العلوم".
عُبَاد بن علي الهَيّال
رئيس الهيئة العامة للآثار والمتاحف
صنعاء – جمادى الآخرة ١٤٤7ه
رابط العدد :
رابط العدد :
على موقع الهيئة الالكتروني:
https://goam.gov.ye/raydan/details/32
جميع اعداد ريدان متوفره في موقع الهيئة
goam.gov.ye
#نقوش
#آثار
#صنعاء
#ريدان
#الهيئة_العامة_للآثار_والمتاحف
#general_organization_of_antiquities_and_museums
#goam
#yemen
#raydan